محمد خليل المرادي

150

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر

عبد المعطي الفلاقنسي « 1 » - 1122 ه عبد المعطي بن السيد محمد بن السيد محمود ، الفلاقنسي الأصل الدمشقي المولد . تقدّم ذكر والد ابن عمّه أحمد ، وكان هذا أحد رؤساء دمشق المشهورين بحسن الرأي والتدبير ، وأعيان كتابها ، وأجلّ ذوي الأقلام الدفتريّة ، صدرا معتبرا موقّرا ، ذا حشمة وأبّهة . ولد بدمشق في حدود الخمسين وألف . وترقّى في المناصب الدفتريّة ، وغيرها وصار محاسبجيّا بالخزينة الميريّة بدمشق ، وتولّى نظارات كثيرة في أوقاف الحرمين والمصريّين ، وولي عثامنة « 2 » كثيرة ، وكان له تعلّقات وأوقاف وتجارات وأملاك وإقطاعات وغير ذلك شيء كثير ، وكانت داره أحسن دار بدمشق . وكان من أفراد الزمان المترفّهين بالنعم والتخوّل ، بحيث إنّ الذي يوجد عنده من المأكولات والملبوسات ونحوها لم يوجد عند غيره . وآلات السماع وألحان الغناء دائما تضرب عنده وفي مجلسه . وأتقن آلات الاحتشام وإظهار النعم من كلّ حيثيّة . وكان ذا عقل ورأي وتدبير ، مع أدب وكمال وتأنّ وتربّص في الأمور ، وحسن اعتقاد على المشايخ والصلحاء والسادة . ولا يسفّه أحدا أصلا ، ولا يجهر في غيظه على أحد ، ولا يتطاول ، بل تكلّمه في حالة الغضب كحالة الرضا . ولم يكن أحد في وقته مثله من أهل الثروة والإتقان في تدبير المنزل ، خصوصا لما كان أمين كيلار الحج « 3 » ، فأتى بما لم يسبق إليه . وتولّى تولية الجامع الأموي أصالة ووكالة ، وكان متولّيه في الروم رجل مغربي معتقد صاحب الدولة الوزير الأعظم ، اسمه الشيخ مسعود ، تارة يوكّل المترجم وتارة غيره . وتولّاه المترجم أصالة أيضا واجتهد في تعميره وتنظيمه . وفي سنة اثنتي عشرة ومائة وألف بنى الحمام بالقرب من الجامع الأموي المعروف بحمّام الذهبية « 4 » وصرف عليه من ماله مبلغ تعميره وأضافه لأقلام الجامع المذكور بعد اقتطاع ما صرفه عليه . وكان قبل ذلك سوقا لدقّ ذهب الطواقي والطشاطي التي كانت تلبسها النساء في ذلك الزمان بدمشق « 5 » . ثم بطل هذا الزيّ في سنة سبع ومائة وألف .

--> ( 1 ) يوميّات شامية / 172 ، وفيه وصف مفصّل لداره ومحتوياتها استغرق ثلاث صفحات . ( 2 ) المقصود هنا بالعثامنة : الوظائف الراتبة ، وهذه الكلمة تطلق أحيانا جمعا لكلمة عثمانية ، وهي قطعة نقدية تعادل 1 / 3 البارة أو 1 / 5 الشاهية أو 1 / 120 من القرش ، كما ذكر دوزي في معجمه . ( 3 ) المسؤول عن تموين قافلة الحجّ . ( 4 ) الحمام قديم من القرن السابع ، والمترجم أعاد بناءه بعد ما تحوّل إلى ورشات لصنع الحلى الذهبية ، ومن هنا جاء اسمه : امّا الحمام اليوم فقد أصبح مقهى ومطعما سياحيّا . ( 5 ) كانت النسوان في دمشق ، يلبسن طواقي كبيرة بقدر الصينية أو الطست عرفت بالطشاطي . وفي سنة 1107 ه ، أمرهنّ الوالي بلبس القلابق بدل الطواقي المذكورة ، فبطلت صناعتها . انظر ولاة دمشق ، للمنجد / 49 .